اليابان تهبط إلى المرتبة
توقع صندوق النقد الدولي في مطلع الشهر الجاري أن تتجاوز الهند وبريطانيا الناتج المحلي الإجمالي الاسمي لليابان بحلول عام 2027، لتهبط اليابان من المرتبة الخامسة إلى السادسة عالمياً. الخبر لم يثر ردود فعل تذكر في البداية، لكن الصمت لم يدم أكثر من ثلاثة أو أربعة أيام قبل أن تبدأ وسائل الإعلام الكبرى تغطية موسعة.
من الثانية إلى السادسة: تراجع متسارع
شهد الاقتصاد الياباني نهضة منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، وفي مقابلات الشارع عام 1987 كان المتحدثون يتحدثون بحماس عن استثمارات الأسهم، وكان ذلك أفضل عصر لليابان. احتلت اليابان المرتبة الثانية عالمياً بعد الولايات المتحدة في الناتج المحلي الإجمالي وحافظت عليها 42 عاماً. حتى عام 2010، تجاوزت الصين اليابان لتصبح الثانية عالمياً، في توقيت تزامن مع الذكرى الخمسين لتطبيع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، فجاء الحزن الياباني مصحوباً ببعض المصادفة.
بعد ذلك تجاوزت ألمانيا والهند اليابان تباعاً لتهبط إلى المرتبة الخامسة. والآن تجاوزتها بريطانيا أيضاً قبل موعدها — كان من المتوقع أن يحدث ذلك عام 2029، لكنه تحقق مبكراً. خلال 15 عاماً فقط هبط الناتج المحلي الإجمالي من المرتبة الثانية إلى السادسة، وهو تراجع سريع يثير الأسف.
تفاعل متأخر واهتمام إعلامي متصاعد
عند انتشار الخبر كان الإنترنت الياباني هادئاً بشكل غير معتاد، لكن الرأي العام بدأ يتحرك بعد أيام. تابعت صحيفة نيكي وياهو نيوز وهيئة الإذاعة NHK وغيرها من الوسائل، وأنتجت محطات تلفزيونية برامج خاصة ناقشت اختفاء «صناعة يابانية» وتراجع «القوة الاقتصادية السابقة».
تناولت محاضرات إلكترونية موضوع «لماذا تفقد اليابان قوتها الوطنية بهذه السرعة؟»، ورأى التحليل أن الهياكل التنظيمية والكوادر البشرية لم تتغير تقريباً، لكن القوة الوطنية تراجعت بشكل كبير، وهو ما لا تفسره الأسباب العادية. وفي مقابلات الشارع، عند سؤال المارة عن مرتبة اليابان الحالية في الناتج المحلي الإجمالي، أجاب بعضهم بالثانية أو الثالثة، وآخرون بالسابعة أو الثامنة أو التاسعة أو العاشرة، ما يعكس ارتباكاً وضبابية في إدراك المكانة الاقتصادية.
ضربة للثقة بالنفس
الهبوط إلى المرتبة السادسة ليس مجرد رقم اقتصادي، بل مسّ الكرامة الوطنية اليابانية. صورة «الثانية عالمياً» التي صنعتها المعجزة الاقتصادية بعد الحرب راسخة في الوجدان، وتجاوز دول أخرى لليابان تباعاً أمر يصعب تقبله عاطفياً. تأوهات الإعلام والمستخدمين تعكس قلقاً من تراجع القوة الوطنية.
تشير تحليلات إلى أن شيخوخة السكان وضعف نمو الإنتاجية وتراجع الين عوامل مجتمعة أدت إلى تدهور المكانة الاقتصادية. لكن هناك من يرى أن ترتيب الناتج المحلي الإجمالي ليس المعيار الوحيد لجودة الحياة، وأن اليابان لا تزال تتمتع بمزايا في مجالات التقنية والثقافة. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن هذا التوقع أصاب ثقة المجتمع الياباني.
غموض المستقبل
تستند توقعات صندوق النقد الدولي إلى الاتجاهات الحالية، لكن المستقبل يحتمل متغيرات. هل تستطيع اليابان إنعاش اقتصادها عبر إصلاحات هيكلية، أم ستواصل التراجع؟ الأمر متروك للمراقبة. وبالنسبة للأجانب المقيمين في اليابان، يستحق هذا التحول المتابعة، إذ قد يؤثر على فرص العمل وتقلبات أسعار الصرف والأجواء الاجتماعية.
هبوط اليابان إلى المرتبة السادسة إشارة إلى أن الخريطة الاقتصادية العالمية تُعاد رسمها. أمام هذا الواقع، يحتاج المجتمع الياباني إلى مراجعة هادئة بدلاً من الاكتفاء بالتنهد.
0 条评论
还没有评论,写下第一条。